< 1 >
< 2 >
< 3 >
< 4 >
Get your Google PageRank

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

RSS

Icon Icon Icon Icon Follow Me on Pinterest

الاثنين، 30 سبتمبر 2013

خواطر الشيخ الشعراوي حول الآيات

خواطر الشيخ الشعراوي حول الآيات
cript type="text/javascript">


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)
صدق الله العظيم
                                                                                     سورة الكهف آيات 42 و 43ّ



وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)

هكذا انتقل الرجاء إلى التنفيذ، وكأن الله تعالى استجاب للرجل المؤمن ولم يكذب توقعه * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ *[الكهف: 42]* أحيط: كأنْ جعل حول الثمر سوراً يحيط به، فلا يكون له منفذ، كما قال في آية أخرى:* وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ *[يونس: 22]*
وتلاحظ أنه سبحانه قال: * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ *[الكهف: 42]* ولم يقُلْ مثلاً: أحيط بزرعه أو بنخله؛ لأن الإحاطة قد تكون بالشيء، ثم يثمر بعد ذلك، لكن الإحاطة هنا جاءت على الثمر ذاته، وهو قريب الجنْي قريب التناول، وبذلك تكون الفاجعة فيه أشدَّ، والثمر هو الغاية والمحصّلة النهائية للزرع. ثم يُصوِّر الحق سبحانه ندم صاحب الجنة وأَسَفه عليها: * فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا *[الكهف: 42]* أي: يضرب كَفّاً بكفٍّ، كما يفعل الإنسان حينما يفاجئه أمر لا يتوقعه، فيقف مبهوتاً لا يدري ما يقول، فيضرب كفّاً بكفٍّ لا يتكلم إلا بعد أن يُفيق من هَوْل هذه المفاجأة ودَهْشتها.

ويُقلِّب كفَّيْه على أيِّ شيء؟ يُقلِّب كفيه ندماً على ما أنفق فيها * وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا *[الكهف: 42]* خاوية: أي خَربة جَرْداء جَدْباء، كما قال سبحانه في آية أخرى:* أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىا قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا *[البقرة: 259]*
ومعلوم أن العروش تكون فوق، فلما نزلت عليها الصاعقة من السماء دكَّتْ عروشها، وجعلت عاليها سافلها، فوقع العرش أولاً، ثم تهدَّمتْ عليه الجدران.
وقوله تعالى: * وَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً *[الكهف: 42]* بعد أن ألجمتْه الدهشة عن الكلام، فراحَ يضرب كفَّاً بكفٍّ، أفاق من دهشته، ونزع هذا النزوع القوليّ الفوري: * يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً *[الكهف: 42]* يتمنى أنه لم يشرك بالله أحداً؛ لأن الشركاء الذين اتخذهم من دون الله لم ينفعوه، لذلك قال بعدها: * وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ... *.


وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)

أي: ليس لديه أعوان ونُصراء يدفعون عنه هذا الذي حَلّ به، ويمنعون عنه الخراب الذي حاقَ بجنته * وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً
*[الكهف: 43]* أي: ما كان ينبغي له أن ينتصر، ولا يجوز له الانتصار، لماذا؟
ثم يقول الحق سبحانه: * هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ... *.

الأربعاء، 25 سبتمبر 2013

لقواسم المشتركة بين سورة الرعد ويوسف وابراهيم

القواسم المشتركة بين سورة الرعد ويوسف وابراهيم


1.      السور الثلاث تزخر بالعديد من ضوابط القرآن المكي وخصائصه الموضوعية.
2.      أن هذه السور افتتحت بحروف التهجّي ولم يكن هذا مألوفاً في افتتاح الكلام بين العرب أيام الجاهلية والاستفتاح بالحروف المقطعة ورد في تسع وعشرين سورة في القرآن الكريم كلها مكية عدا البقرة وآل عمران فهما مدنيتان.
3.      ورد في هذه السور التأكيد على الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة لله تعالى
4.      أجمَل الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته في الخلق وفصّل القول في الرعد في مواضيع متعددة للتأكيد على أن الكون كتاب مفتوح ينطق بقدرة الله تعالى وعظمته.
5.      انتظم في هذه السور الإخبار عن بعض الماضين من الأقوام من باب التحذير وأخذ العظة والعبرة وغاية هذه القصص التحذير من الشرك وبيان منزلة الأنبياء والرسل ومقابلتهم للإساءة بالإحسان والصبر والعفو والصفح
6.      بيّنت السور الثلاث جانباً من قصص الأنبياء مع أقوامهم وما أصابهم بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم لأجل دعوة قريش ليؤمنوا بالله تعالى ويصدقوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ويتبعوا دعوته.
7.      أكدت السور الثلاث على وحدة الرسالة والرسل ووحدة دعوتهم وحقيقة نعمة الله تعالى على البشر بإرسال الرسل إليهم.  
8.      أكدت السور الثلاث على تحريم موالاة الكافرين فقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين لقرابة أو لصداقة أو لمصلحة دنيوية فالمؤمن يحب في الله ويبغض في الله وقد توعد الله تعالى الذين يوالون الكافرين بالعذاب الشديد.القواسم المشتركة بين سورة الرعد ويوسف وابراهيم

وقفة مع سورة الفاتحة

وقفة مع سورة الفاتحة 


الحمد لله على نعمة الإسلام وعلى نعمة القرآن. يقول الله سبحانه وتعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس) يأمر الله نبيه الخاتم عليه الصلاة والسلام في هذه الآية أن يأمر الناس أن يفرحوا بأمرين: بفضل الله وبرحمته وهما الفضل والرحمة: الإسلام والقرآن كما ثبت عن ابن عباس رضي الله (فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) فليفرحوا بهذا دون غيره، إذا أردت أن تفرح فافرح بالإسلام وافرح بالقرآن. كيف يكون الفرح بالإسلام؟ وكيف يكون الفرح بالقرآن؟ لا أن تقيم احتفالات ولا أن تقيم مراسم معينة وإنما تفرح بهما بأن تتمسك بهما وتعمل بهما وتهتدي بهما.
نتكلم في سلسلة من الدروس  عن أعظم كتاب، عن أحسن كتاب (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ (23) الزمر) هذا القرآن أعظم ما ينشغل الإنسان به وهو وصية الله سبحانه وتعالى لأبينا آدم يوم أُخرج من الجنة بعد أن أكل آدم وزوجه من الجنة قال الله تعالى لهما (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) البقرة) وقد جاءنا هدى، هذا القرآن هو الهدى الذي جاءنا مع أفضل نبي صلى الله عليه وسلم. هذا القرآن عظيم وحقّه أن يكون همّ الإنسان الأكبر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار. المسألة جادة بمعنى الجدية!
لو ظل الإنسان طوال حياته يتعلم القرآن فإنه سيقول في النهاية: رب زدني علما، فالقرآن لا تفنى عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ. 

مع أول سورة في كتاب الله وأعظم سورة في كتاب الله وهي سورة الفاتحة :
يقول أبو سعيد ابن المعلا: كنت أصلي فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه قلت يا رسول الله إني كنت أصلي – يريد أن يبين عذره لماذا لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم لأن المسلم إذا دعاه النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يجيب وإذا جاءه أمر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن ينفّذ – قال النبي صلى الله عليه وسلم ألم يقل الله (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) ثم قال ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ - هذا أسلوب تشويقي من النبي صلى الله عليه وسلم وكان يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره مباشرة أن أعظم سورة هي كذا لكنه قال ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال فأخذ بيدي – أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد الصحابي – فلما أراد أن يخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال صلى الله عليه وسلم الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته – لأن الله عز وجل في سورة الحجر يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ويمتنّ عليه يقول (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) الحجر) السبع المثاني هي الفاتحة، سبع آيات امتن الله على نبيه أنه وهبه هذه الفاتحة العظيمة. هذه السورة كما في الحديث هي أعظم سورة في القرآن وهذا يعطينا منهجًا في تعاملنا مع كل الأمور أن عظمة الشيء ليست بحجمه لو كانت العظمة بالطول فالفاتحة ليست أطول سورة، ولا ثاني أطول سورة ولا ثالث أطول سورة وإنما هي من قصار السور وهي أول ما يحفظه المسلم غالبًا، الطفل الصغير، سورة صغيرة جدا في حجمها لكنها عظيمة في قدرها. نأخذ من هذا منهجًا أننا لا نحدد قيمة الأشياء بأحجامها ولا بكمياتها وإنما الذي يحدد عظمة الشيء أو حقارته الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم المبلّغ عنه وإلا لو نظرنا إلى الدنيا  نراها عظيمة ومبهرة ومبهرجة لكنها عند الله (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) الحديد) الله سبحانه وتعالى يقول عنها متاع الغرور والناس تراها عظيمة! ويقول تعالى (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) العنكبوت) القرآن يأتي ليبين لنا عكس ما نظن وعكس ما نرى فمن آمن وسلّم ربح في الدنيا والآخرة وإلا كان الخسار عليه والعياذ بالله. فهذه السورة مع قصرها أعظم سورة في القرآن.
نقف مع هذه السورة ولو أردت أن أمضي عمري كله في كل يوم أتكلم عن الفاتحة في عشر دقائق لما انتهيت منها لأن عظمة هذه السورة لا يمكن أن يدركه على حقيقته بشر وإنما كتب العلماء المجلدات الكبار في هذه السورة ولكنهم وإن أدّوا شيئًا عظيمًا وإن تقربوا إلى الله بقربة كبيرة إلا أنهم لا يمكن أن يحيطوا بأسرار هذه السورة التي تقرؤها في السنة أكثر من ستة آلآف مرة إذا صليت الفرض، في اليوم تقرؤها 17 مرة وفي السنة (17x365=6205) فإذا صليت لمدة عشر سنوات تقرؤها أكثر من ستين ألف مرة، لا يمكن للحكيم الخبير أن يأمر عباده أن يرددوا شيئًا أكثر من ستين ألف مرة إذا كان شيئًا ذا قيمة عادية، لا بد أن يكون له قيمة عظيمة.
 نتكلم عن السورة من خلال تأريخها، هذه السورة مكية، ما معنى مكية؟ النبي صلى الله عليه وسلم عاش قبل البعثة أربعين سنة ثم بُعث وظل في مكة ثلاثة عشر سنة ثم انتقل إلى المدينة وظل فيها عشر سنوات، لكن لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يمكث فيها طوال تلك الفترة العشر سنوات فقد خرج في بدر، في أحد، في تبوك، خرج إلى مكة معتمرًا وخرج إلى مكة حاجًا وخرج إلى مكة فاتحًا فنزلت عليه في حجة الوداع (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (3) المائدة) وهو في رعفة، هذه الآية قال العلماء مدنية لأنهم قالوا أن المكيّ ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعد الهجرة بغضّ النظر هل نزل في مكة، النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الطائف عندما كان يقيم في مكة فلو نزلت آيات عليه في الطائف لا نسميها طائفية وإنما هي مكية لأنها قبل الهجرة وما كان بعد الهجرة يكون مدنيًا وسورة الفاتحة على الراجح مكّية. ما فائدة أن نعرف أن هذه السورة مكية وأن هذه السورة مدنية؟ هذا يظهر في غير هذه السورة أكثر وحتى في هذه السورة يظهر. فائدة أن تعرف أن السورة مكية أو مدنية أن نعرف أن النبي الكريم عليه أفضل صلاة وأتم تسليم مرّ في حياته بعد بعثته بعد (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) مرّ بمراحل كثيرة ومتنوعة، كان في حالات يمر في شدة وضيق وفي حالات ينتصر على الأعداء كما في بدر وفي حالات يكونون في برد وجوع يحفرون الخندق، حالات متنوعة فكانت السور تأتي مناسبة لتلك الحالات التي نزلت فيها تلك السورة فإذا لم تعرف متى نزلت هذه السورة لا تفهمها تمامًا وإنما تفهمها متى عرفت متى نزلت السورة، في أيّ ظرف نزلت تفهمها فهمًا أعمق وأحسن. عندما تقرأ سورة آل عمران وأنت لا تعرف أن هذه الآيات تتكلم عن غزوة أُحد قد لا تقهم الآيات لكن عندما تعرف أنها نزلت في غزوة أُحد تفهم الآيات من خلال معرفة أحداث غزوة أُحد.
 سورة الفاتحة سورة مكية وهي من أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليست أول ما نزل لأن أول ما نزل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) أول خمس آيات من سورة العلق لكن سورة الفاتحة من أول ما نزل وبعض العلماء يجعله نزل في اليوم الثاني للبعثة لأن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين نزلت اقرأ بسم ربك ثم بعدها بيوم على أحد الأقوال نزلت الفاتحة وقيل أنها أول سورة نزلت كاملة. سورة العلق نزلت منها أول خمس آيات ثم بقية الآيات تتحدث عن موقف مع أبي جهل مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو موقف حصل بعد فترة، لكن أول سورة اكتملت هي سورة الفاتحة. وقال العلماء وذكروا الإجماع في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي صلاة قطّ إلا وقرأ فيها بالفاتحة. إذن لا بد أن تكون الفاتحة نزلت مبكرًا حتى يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. إذن سورة الفاتحة نزلت مبكرة جدًا ونزلت كاملة وكان المسلمون يصلّون بها وهذا كله يُشعر أنها مهمة جدًا.
 بعض العلماء قال إنها نزلت في المدينة لما ثبت في صحيح مسلم أن جبريل عليه السلام كان قاعداً عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا بابٌ من السماء فُتِح اليوم لم يُفتح قطّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلا اليوم، (هذا يُشعِر أن الذي سيحصل أمر عظيم، باب لم يفتح قبل الآن، والحديث في صحيح مسلم يعني حديث صحيح) قال: فسلّم وقال أبشِر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك (الكلام من الملك للرسول صلى الله عليه وسلم وهو بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ثم هو بشارة لأتباعه لأنهم سيأخذون هذين النورين) فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته. كلما تطلب شيئًا في هذه الآيات في خواتيم سورة البقرة أو في الفاتحة تُعطى، هذا وعد للنبي صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث في صحيح مسلم وفيه ما يدل على أن هذه السورة نزلت في المدينة وأصح الأقوال أنها نزلت في مكة لكن بعضهم قال نزلت مرتين وهذا يدل على عظمتها، نزلت في مكة ثم أعيد إنزالها في المدينة.
فضائل هذه السورة كثيرة جدًا وهي أكثر السور فضائل ويكفينا منها أنها أعظم سورة في القرآن وإلا فهناك أحاديث كثيرة تدل على عظمتها وفضلها ومن ذلك الحديث المعروف أن الله تعالى قسم الصلاة بينه وبين عبده نصفين ولعبده ما سأل (قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قالَ اللهُ تعالى: حمدني عبدي وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قالَ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. قالَ: مجَّدني عبدي (وقالَ مرَّةً: فوَّضَ إليَّ عبدي) فإذا قالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قالَ: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدي ما سألَ. فإذا قالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قالَ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) وهذا الحديث من المهم أن لا ننساه ونحن نقرأ سورة الفاتحة لأن الفاتحة مع تكرارها الكثير تصبح أمرًا يجري على اللسان دون أن يعيه القلب ولذلك لو سألت أحدهم بعد الصلاة ماذا قرأ الإمام في الصلاة؟ يقول قرأ سورة كذا أو كذا ولا يذكر الفاتحة لأنها أمر روتيني ولكن الحقيقة أنها أمر عظيم وأنني وأنت وكل مسلم إذا قرأناها فإنه الله يجيب عبده، الله الغني يجيب العبد الفقير سبحانه وتعالى فيستشعر الإنسان هذه المناجاة بينه وبين من خلق السموات والأرض فينشرح صدره ويطمئن وينسى كل ما كان عنده من هموم قبل الصلاة إذا استشعر أنه يخاطب ملك الملوك الذي أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
وهذه السورة أيضًا لها أسماء كثيرة. السور القرآنية بعضها له اسم واحد وبعضها له أكثر من اسم وهذه الأسماء المتعددة أحيانًا تكون كلها من النبي صلى الله عليه وسلم وأحيانًا يكون بعضها اجتهادا من الصحابة أو مَنْ بعدهم. هذه السورة لها أسماء أوصلها السيوطي إلى أكثر من عشرين اسمًا منها الاسم المشهور الفاتحة وفاتحة الكتاب وأم الكتاب والسبع المثاني وبعض العلماء يسميها الشافية لأنه ورد في حديث أنها شفاء من كل سُمّ أو من كل داء كما جاء في الحديث وصححه بعض أهل العلم. فأسماء هذه السورة كثيرة ولكن نحن نريد الاختصار وفتح الذهن حتى يبدأ الإنسان في التنبه إلى ما في القرآن من كنوز وإلا كل إنسان يستطيع وحده بعد ذلك أن قرأ ويسمع عن هذه السورة شيئًا كثيرًا.
 السؤال الذي يطرح نفسه لو لاحظنا سورة البقرة أطول سورة في القرآن طويلة جدًا حوالي خمسين صفحة ثم تأتينا سورة آل عمران وهي أقصر من البقرة ولكنها طويلة، ثم النساء طويلة وهكذا تتدرج السور في الطول، إذا وصلنا إلى جزء عمّ تصبح السور قصيرة جدًا، صحيح أن بعض السور تأتي بعضها أطول من بعض فمثلًا سورة الأنفال عشر صفحات بعدها سورة التوبة أطول منها حوالي عشرين صفحة لكن الغالب أن السور تقصر وأن السور التي تشبه الفاتحة في الطول في جزء عمّ مثل سورة الضحى والزلزلة، فلماذا وُضِعت في بداية المصحف؟ هنا توقف العلماء لماذا وضعت سورة الفاتحة في البداية مع أننا لو أردنا أن نضعها بحسب عقولنا في الموضوعات – سورة البقرة فيها أحكام وتفاصيل أما الفاتحة فلا – قالوا هذه السورة بمثابة المقدمة للكتاب التي فيها ملخص الكتاب أو بمثابة الديباجة التي يبتدئ بها المؤلف كتابه ويعطيك الزُبدة ولذلك نحن نقرؤها في كل ركعة كأننا نستحضر أساسيات الدين. إن أردت الحديث عن أسماء الله وصفاته فهي موجودة في السورة (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1) الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (2) مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3))، إذا أردت الجزاء والحساب (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يوم القيامة، إذا أردت أصل الشرع والعبادة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إذا أردت سير الأنبياء والصالحين (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) وإذا أردت أن تعرف ملخّص سالكي الطريق المؤدي إلى النار (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) إلى غير ذلك مما فصّل في العلماء وبيّنوا أن هذه السورة فيها الخلاصة بل إن بعض العلماء وهو ابن القيم في كتابه "مدارج السالكين" شرح آية من هذه السورة في ثلاثة مجلدات! "مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين" مما يدل على ثراء وغزارة ما في هذه السورة من المعاني وأنا أنصح حتى لا يمل الإنسان من هذه السورة وتصبح عادة عنده كل شهر أفتح اليوتيوب وأكتب تفسير سورة الفاتحة وأسمع لشخص لم تسمع له من قبل فستسمع معاني جديدة وتتعجب من أين تأتي هذه المعاني ولكنها سورة الفاتحة.
نستطيع أن نقف سريعًا جدًا مع المعاني التي في هذه السورة، القرآن لفظ ومعنى والكلام كله لفظ ومعنى واللفظ إنما يكتسب قيمته من معناه، لو أن إنسانًا أعجميًا لا يعرف العربية ولا يفقه منها شيئًا وسمع شخصًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فأعجبته الكلمة فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لن ينفعه هذا اللفظ بشيء فهو لا يفهم معناه ولا يعرف التوحيد ولا الرسول، هذا لفظ وإن اللفظ إنما يكتسب قيمته من معناه. لو كان يكسب قيمته من اللفظ فقط فالبقرة أطول بكثير من الفاتحة. عندما نقول الفاتحة أعظم سورة هذا لا يعني تقليل عظمة السور الباقية لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا وهو لا ينطق عن الهوى أنها أعظم والباقي عظيم وكل القرآن عظيم سواء الفاتحة أو غيرها. المعاني التي في السورة معاني عظيمة نمر عليها سريعًا جدًا دون توقف وإنما هو تأمل في هذه الأمور التي ينبغي للعبد أن يستحضرها في كل صلاة بعدد ركعات تلك الصلاة وإذا فهمنا هذا وتأملنا فيه فهمنا كيف أن الصلاة تغسل العبد من الذنوب وكيف أن ابن مسعود يقول: تحترقون تحترقون فإذا صلّيتم الظهر غسلتها. كيف تغسلها؟ بهذه المعاني العظيمة التي تزيل ما أصاب الإنسان من ذنوب وخطايا بين الصلاتين.

من تلك المعاني :

  •    حمد الله سواء على شيء طيب حصل لك بين الصلاتين أو شيء تظن أنه شرّ، واحد حصل له حادث بين الصلاتين فلما يصلي الظهر ويكبر ويقول الحمد لله رب العالمين، معنا حمد الله مهما كانت الأحوال. الحمد لله يعني كل حمد يستحقه الله وحده على كل ما يحصل في هذا الكون مهما تألمت وأنت تراه فالله يستحق الحمد عليه.
  • v     ثم تتذكر أمرًا آخر وهو أنه رب العالمين وهذا يعني أنه هو الذي خلق وملك ويدبر كل العوالم عالم الإنس، عالم الجن، عالم الطير، عالم البحار، عالم الأفلاك، كل العوالم يدبرها الرب وحده ويستحق الحمد على هذا التدبير وهذه الربوبية. v     ثم نتذكر اسمين من أحب الأسماء إلينا (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ) نذكرهما في كل صلاة لا نذكر في الصلاة وجوبًا اسم الله العظيم أو القهار لكن نتذكر في كل صلاة وجوبًا (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ) وهذا يدلنا على أن رحمته سبقت غضبه وأننا قريبون من رحمة الله إن حاولنا أن نصل إليها.
  • v     ثم يتذكر الإنسان معنى رابعًا وهو أنه سبحانه وتعالى (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهذا يعني أن كل ما يحصل الآن ليس نهاية المطاف، سمعنا البعض قالوا القذافي مات قبل أن يأخذ الحكم العادل، الحكم العادل هناك ليس هنا! لا الأمم المتحدة ولا محكمة العدل الدولية، كل هذا كلام فارغ والله سبحانه وتعالى يقول (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41) النجم) يوم القيامة يأخذ الإنسان جزاءه الكامل فلا تحمل هم شيء، (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لا تحمل همّ شيء إلا همّ نفسك أن تكون مستعدة للقاء الله يوم الدين.
  •      ثم يطلب الإنسان ويقول (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) في كل صلاة مهما قرأت القرآن بين الصلاتين مهما سبّحت مهما استغفرت تقول (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) وهذا يذكرنا في كل صلاة وفي كل ركعة في الصلاة أن أعظم ما نحتاج ونطلبه من الله هو الهداية إلى الصراط المستقيم.
  •      ثم ذكّرتنا بقية الآيات بأن الصراط واحد وعندنا طريقان آخران. أما الصراط فهو صراط الذين أنعمت عليهم وقد بيّنه الله في سورة النساء فقال (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) إذا تذكر الإنسان هذا في الصلاة يحاول بعد الصلاة أن يسير في درب هؤلاء يبحث ما هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يأكل كيف كان يشرب كيف كان يمزح كيف كان يصلي كيف كان يعتمر كيف كان يحج، يبحث عن صراط سيد المرسلين ومن سار على نهجه من الصحابة والتابعين مع ما ذكره الله عن الأنبياء السابقين من أمور تدل على ما يجب الاقتداء به فيهم كما سيأتي في سورة الأنعام، كل ذلك يتذكره الإنسان ثم يتذكر أن هناك طريقين آخرين. ·    
  •        الذين أنعم الله عليهم كما قال العلماء قوم عرفوا الحق وساروا في طريقه. ·  
  •         والمغضوب عليهم قوم عرفوا الحق لكنهم ما ساروا في طريقه وأكبر مثال لسالكي هذا الطريق هم اليهود كانوا يعرفون الحق وبعضهم يقول لبعض أهو هو؟ يشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول هو هو ولأقاتلنّه. عرف أنه النبي هؤلاء المغضوب عليهم والعياذ بالله!   ·      
  •     والضالّون وهم أصحاب الطريق الثاني من طرق أهل الهلاك والعياذ بالله هم الذين ما عرفوا الحق ومشوا في طريق الباطل. إذن نحتاج إلى علم وإلى عمل بمقتضى ذلك العلم أسأل الله أن يسلك بنا صراطه المستقيم .

وقفة مع سورة البقرة

وقفة مع سورة البقرة 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين. اليوم مع سورة البقرة وما سنذكره فيها ليس وقفات وإنما هي إشارت فيها لأن السورة طويلة وقد مكث بعض الصحابة وهو ابن عمر كما ثبت عنه بإسناد حسن يتعلم هذه السورة أربع سنوات كما سيأتينا وإنما هي إشارات تشحذ الهمة وتعين الإنسان على التأمل في الآيات وتشجعه أن يبدأ في قرآءة الكنوز المستودعة في كتب التفسير وفي كل من كتب في معاني القرآن. سورة البقرة هي أول سورة نزلت في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن سكنها عليه الصلاة والسلام، وحكى ابن حجر الإجماع على هذا أن أول سورة نزلت في المدينة هي سورة البقرة وهذا لا يعني أنها بطولها هذا كله نزلت في أول سكنى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وإنما ظلت تنزلت تباعًا إلى أن نزلت آخر آية في القرآن في سورة البقرة (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281)) هذه آخر آية في المصحف نزولًا وهي في أواخر سورة البقرة ليست آخر آية في السورة وهذا يعني أن سورة البقرة استمر نزولها عشر سنوات منذ أن سكن النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إلى أن نزلت عليه آخر آية. وهذا يدل على أنها ظلّت تربّي الصحابة لسنوات طوال ولذلك كان اهتمام الصحابة بها كبيرًا فكما مرّ معنا في بداية الكلام ظلّ ابن عمر رضي الله عنه يتعلم سورة البقرة أربع سنوات وهناك روايات أخرى لكنها ضعيفة أنه ظلّ 12 سنة أو أن عمر رضي الله عنه ظلّ ثماني سنوات لكن عندنا رواية صحيحة أنه ظلّ فيها أربع سنوات لأن الصحابة كان عندهم منهج كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل ثم يتجاوزون إلى غيرهنّ. فأربع سنوات في سورة البقرة وهذا تقريبًا في الأسبوع ربع صفحة كمية قليلة جدًا وهذا يدل على أن الأمر جدّ عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وفي غزوة حنين بعد فتح مكة وبعد أن سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ومعه الصحابة الكبار ومعه من أسلم حديثًا فباغته الكفار ففرّ كثير من جيش المسلمين وبقي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه قلة من الصحابة فيهم العباس بن عبد المطلب وكان صيّتًا (صوته عالي) فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزل من بغلته عليه الصلاة والسلام بعد أن فرّ الجيش وقال أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ثم قال: يا عبّاس نادِ: يا أصحاب السمُرة، يا أصحاب سورة البقرة. عندما يكون أحدهم متخصصًا في جانب من جوانب العلم أو من جوانب الحياة يقولون فلان متخصص في هذا الجانب، النبي صلى الله عليه وسلم يختار لأصحابه نداء عجيبا "يا أصحاب سورة البقرة" والصحبة يعني طول الملازمة ومع الصحبة غالبًا يكون هناك أنس وودّ وحبّ وكثرة للملازمة والمداومة فقال يا أصحاب سورة البقرة فرجعوا وفاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على شدة عناية الصحابة بهذه السورة أن يُنادَوا بصحبتهم لها. وقد جاء عن عروة بن الزبير أن شعار الصحابة في حربهم مع مسيلمة الكذاب كان "يا أصحاب سورة البقرة" كانوا ينادون بعضهم في المعركة " يا أصحاب سورة البقرة" شعار بينهم يجمعهم اجتمعوا عليه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. كل هذا هو غيض من فيض يدل على شدة اهتمام الصحابة بهذه السورة. وسيأتي في خاتمة السورة ما يدل على جدّيتهم وشعورهم بالمسؤولية عندما كانت تنزل عليهم آيات القرآن وآيات هذه السورة. فضائل السورة لهذه السورة فضائل كثيرة ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان ويخرج منه إذا كان فيه. ومن فضائلها أنها سنام القرآن وعند العرب يطلقون كلمة سنام على أعلى كل شيء فسنام كل شيء أعلاه وكلنا يعرف سنام الجمل، سنام كل شيء أعلاه وسنام القرآن سورة البقرة لأن فيها أحكام كثيرة بل تكاد تكون قد استوعبت كل أحكام القرآن، فأحكام الصيام في سورة البقرة وأحكام الحج كثير منها في سورة البقرة وأحكام القتال والجهاد كثير منه في سورة البقرة وأحكام الطلاق كثير منه في سورة البقرة والدَيْن إلى غير ذلك من الاستيعاب العظيم لمعاني القرآن. اسم السورة أشهر اسم لها هو سورة البقرة وهو مأخوذ من قصة معروفة في أواخر الحزب الأول من الجزء الأول من سورة البقرة وهذه القصة لها مغزى، النبي صلى الله عليه وسلم وقد مر معنا في بداية الحديث أن سورة البقرة بدأت تنزل عليه بعد وصوله إلى المدينة بفترة، هي أول سورة نزلت وهو يسكن في المدينة ومعه فيها الأنصار من الأوس والخزرج الذين أسلموا وبعض أهل المدينة ممن لم يُسلم واليهود وهم أصحاب كتاب وكانوا يفتخرون بما عندهم من العلم على العرب وكان العرب ينظرون إليهم نظرة احترام وأن عندهم علم أكثر وظهر أيضًا في تلك الفترة المنافقون الذين يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر فجاءت سورة البقرة تعالج تلك الجماعات كلها وتوجهها إلى ما فيه الخير لها فجاءت في ضمن تلك السورة قصة البقرة وهي قصة لها أبعاد متعددة: ·         أول بُعد فيها أن يعرف المسلمين الذين يسكنون في المدينة يساكنون فيها اليهود طبيعة اليهود وطبيعة تلقيهم لأوامر الله يوم تأتيهم من نبيهم موسى فكيف إذا جاءتهم الأوامر من نبينا عليه الصلاة والسلام؟! من النبي العربي الأمي الذي رفضوا ما عنده حسدًا لأنه ليس من بني إسرائيل، وهذا جانب من القصة. ·         وجانب آخر أن بعد هذه القصة في السورة من أحكام الله التي يأمرنا بها أحكامًأ كثيرة جدًأ وكأنها تُشعر المسلمين أنهم لا ينبغي أن يسلكوا سبيل اليهود الذين تلكأوا وتباطؤوا وتحامقوا عندما قال لهم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً (67)) أمر واضح ظاهر ليس فيه خفاء (قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) ثم أمرهم بعد أخرى في القصة المعروفة فكأن هذه السورة وإن كانت تمثل لنا حقيقة اليهود إلا أنها تحذّرنا من سلوك سبيلهم الذي هو عدم السرعة في الاستجابة لأوامر الله ولأوامر رسول الله المبلّغ عن الله. فهذه القصة في هذه السورة لها مغزى ولها موضع تفضح اليهود من جهة وتمهّد لما بعدها من أحكام من جهة أخرى. موضوعات السورة الرئيسية: تقسيم السور إلى موضوعات مسألة اجتهادية يكتب فيها المفسرون يتفقون في أشياء ويختلفون في أشياء أخرى لأنها ليست أمورًأ مبنية على الحديث مثلا أو على أقوال الصحابة وإنما هي مبنية على التأمل في الآيات. والتأمل في سورة البقرة يهدي إلى تقسيمها إلى موضوعات رئيسة وأختار واحدًا من تلك التقسيمات التي ذكرها أهل العلم وأراه مناسبًا وهي أن هذه السورة تنقسم إلى مقدمة وخاتمة وثلاثة أقسام. وهذه الأقسام الثلاثة يميزها شيء مشترك وهي أنها تبدأ بالنداء من خالق الأرض والسماء سبحانه وتعالى للبشر لكن النداء الأول يبدأ بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)) والنداء الثاني يبدأ بقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168)) والنداء الثالث يبدأ بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208)) والنداء بـ (يا أيها الناس) أعمّ ويشمل المؤمن والكافر والمنافق لكن (يا أيها الذين آمنوا) الذي في القسم الثالث من السورة - وكان ما قبله تمهيدًا له – هو خطاب خاص بالمؤمنين. هذه المقدمة في أول السورة تتناسب وتُفهم إذا عرفنا وتذكرنا ما قلناه من وقت نزول هذه السورة. وجاء عن ابن عباس بسند حسّنه الحافظ بن حجر أن أول مائة آي من السورة نزلت في اليهود والأحبار والمنافقين الذين كانوا يسكنون المدينة وهذا واضح جدًا في الآيات. عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة دخل وفيها مهاجرون قد سبقوه ومعهم الأنصار وهؤلاء مؤمنون وهناك الكفار الذين لم يُسلموا بعد وهناك منافقون وهناك كفار مكة الذين يناصبون النبي صلى الله عليه وسلم العداء وهناك طائفة ظهرت حديثًا وهي طائفة المنافقين فجاءت السورة لتقسم التقسيم الإلهي للبشر. البشر سبحانه وتعالى له تقسيم للبشر يختلف عن تقسيم البشر للبشر فتقسيم البشر للبشر قد يكون بحسب الأوطان أو بحسب الأعمار أو بحسب الوظائف أو بحسب الشهادات لكن تقسيم الله سبحانه وتعالى للبشر ينبني على العقيدة وعلى ما يستقر في القلب أولًا وينعكس على الجوارح. ولذلك بدأت سورة البقرة بقوله تعالى (الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾) هذه الطائفة الأولى ووصفها ببعض الأوصاف قال (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَوَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَوَبِالْآَخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ ﴿٤﴾أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَهُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾) وهذا يشير إلى اليهود من آمن منهم فإنه يدخل في هذه الطائفة التي تؤمن بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وما أُنزل من قبله والذين يكذّبون من اليهود فإنهم لا ينسلكون في هذا السلك. الطائفة الثانية قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾) نعوذ بالله من عذابهم. ثم ذكر الطائفة الثالثة، والطائفة الأولى ذُكرت في آيتين أو ثلاث والطائفة الثانية ذُكرت في آيتين أما الطائفة الثالثة فقد أُطنب في الحديث عنها كما قال الله سبحانه وتعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِر) إذن ظاهرهم طيب (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾) باطنهم خبيث مخالف لظاهرهم فهم العدو الأكبر كما قال الله تعالى في سورة المنافقون (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ (4) المنافقون) يُظاهرون شيئًا ويُبطنون شيئًا فكان لا بد أن يُطال في الحديث عنهم حتى يحذرهم المؤمنون لأنهم لم يكونوا معتادين قبل الهجرة على هذه الطائفة، كانوا يعرفون المؤمنين والكافرين فجاءت هذه الطائفة الثالثة وطال الحديث عنها في آيات كثيرة. ثم بدأ القسم الأول وفيه أمر عظيم ونهي عظيم عن أعظم مأمورٍ وأعظم منهيٍ عنه فقال الله سبحانه وتعالى في الآية 21 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)) هذا أول أمر في القرآن "عبادة الله سبحانه وتعالى" خطاب لكل الناس لا بد أن يستجيبوا له (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) ثم ذكر النهي الأول فقال (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾) والأمر الأول يقتضي النهي الثاني والنهي الثاني يقتضي النهي الأول  (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً) يعني لا تجعلوا لله شركاء وهذا يشمل الشرك الأصغر والشرك الأكبر لأن بعض السلف فسّر هذه الآية بقول بعضهم "لولا الكلب لسرقنا اللصوص" هذا من الشرك الأصغر، العبارة فيها عدم إسناد الأمر إلى الله سبحانه وتعالى أو "لا وكذا" ويُقسم بغير الله وهذا من الشرك الأصغر منهيٌ عنه قال (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) جمعت الآيات الأولى التي فيها تكليف للبشر في القرآن بين الأمر بالعبادة لله والنهي عن الشرك ولذلك ليس هناك أمر في الدعوة إلى الله مقدّم على هذا الأمر الأمر بعابدة الله والنهي عن الشرك. ولولا خشية الإطالة لطال الأمر في كيفية هذه الآيات البشر إلى عبادة الله لكن يكفينا أنه نبّهنا أن الأرض من تحتنا نعمة من الله وأن السماء من فوقنا نعمة من الله وأن الذي ينبت من الأرض ولا يمكن للأرض أن نبقى فيها أحياء إلا بوجود هذا النبات فيها من الله قال (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء) ثم قال (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ) إذن ليس هناك من سبيل غير عبادة الله سبحانه وتعالى طالما أن الكل منه ولكن هذه مجرد إشارة. هذا القسم الأول فيه دعوة بمجمله إلى التوحيد فكما بُدئ بالتوحيد والنهي عن الشرك خُتم أن البعض مع كل هذه الأدلة التي سيقت في هذا القسم سيظل شركًا قال في آخر القسم (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ (165)) بعد كل هذا – وقد ذُكر آيات فيها ذكر دلائل خلق الله لعباده ودلائل وحدانيته (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)) قال بعدها (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) فبدأت بالأمر بالعبادة والنهي عن الشرك وختمت بذلك. الآيات في القسم ذكرت أمة أُمرت بالعبادة والتوحيد لكنها ما طبّقت وذكرت رجلًا كان أمة وحده وجُعل للناس إمامًا أُمر بالتوحيد فاستجاب. والطائفة هم بنو إسرائيل وذِكرهم في هذه السورة يختلف عن ذكرهم في كل سور القرآن لأن الآيات نزلت عند نزول النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته فكانت حالتهم تحتاج إلى هذا الإطناب الطويل الذي يقول الله فيه (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)) ثم يقول (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)) ثم يذكر من مخازيهم الشيء الكثير إلى أن يختم الايات بقوله لهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿١٢٢﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿١٢٣﴾۞ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) فبعد أن انتهى من بني إسرائيل وهم الطائفة التي لم تستجب لوحي الله ذكر إبراهيم الذي قال الله تعالى فيه هنا (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) لم يفعل كما فعل اليهود قال (فَأَتَمَّهُنَّ) يعني أدّاهن تامات قال (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي) بنو إسرائيل من ذريته والنبي صلى الله عليه وسلم والعرب من ذريته قال (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). ثم ذكر بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت وكل هذا كما يرى بعضهم تمهيد لتحويل القبلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سكن المدينة كان يتوجه إلى بيت المقدس واليهود فرحوا بهذا فجاءت الآيات لتبين حالهم حتى يقتنع المؤمن أنهم لا يصلحون للموافقة في القبلة والذي يصلح أن يكون إمامنا في القبلة هو الذي جعله الله للناس إمامًا وهو إبراهيم، فذكرت بعده آيات تحويل القبلة- وقد اختصرت في القسم- وفي بدايته أيضًا قصة آدم وأنه عندما أُهبط من الجنة أُمر بعبادة الله واتباع الهدى ثم بيّن الله من جاءه الهدى فضلّ ومن جاءه الهدى فاستقام وهو إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. في القسم الثاني في السورة المبدوء بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168)). القسم الأول كان عن التوحيد والعبادة مع كونهما موصلين إلى التقوى لأنه قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)) في هذا القسم الثاني دار الحديث حول التقوى بشكل ظاهر عبر أحكام كثيرة. ذُكر فيها الصيام وقد قال الله الصيام في هذه السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) ثم ذكر الجهاد وذكرت فيه (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)) وذُكرت آيات الحج وأُمر فيه بالتقوى عدة مرات قال (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)) ثم قال الله سبحانه وتعالى في آية عجيبة (وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)) الله تعالى يخاطب العباد مباشرة يقول (وَاتَّقُونِ) ويقول بعدها في آيات الحج (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)) وقال (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى (203)) إذن التقوى هي مدار القسم الثاني وفيه ذكر لأحكام كثيرة لكنها كلها مربوطة بالتقوى. وفي نهاية هذا القسم أتت آيتان تشبه الآية التي خُتم بها القسم الأول. في القسم الأول بعد أن أمر بالعبادة ونهى عن الشرك قال في نهاية القسم (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) إذن أناس لا يستجيبون لهذا الأمر، هنا في هذا القسم بعد أن أمر بأحكام شرعية كثيرة قال (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205)) ثم قال (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)) كأن في نهاية القسم الأول بُيّن لنا حال من يظل مُعرضًا وهنا بُيّن لنا حالان حال لشخص يُعرض عن هذه الأحكام وحال لشخص يشري نفسه أي يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد. في القسم الثالث من السورة قال الله سبحانه وتعالى في آية عظيمة يمكن أن تُدخل الدين كله فيها قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً (208)) ادخلوا في شرائع الدين كلها لا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض كما جاء في آيات بني إسرائيل في نفس السورة بل أسلموا وادخلوا في الإسلام كله. ثم ذُكرت فيه أحكام تختلف عن الأحكام السابقة وفيها خفاء من جهة كونها استسلامًا لله في بعضها وفي بعضها فيه صعوبة على النفس فمن ذلك التفصيل في أحكام القتال والقتال والجهاد صعب على النفس فبعد أن قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208)) قال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (216)) فإذا رأيت الحكم صعبًا شاقًا تشعر أنه ضرر عليك فاعلم أنك لا تعلم إنما الذي يعلم هو الله (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). ثم ذكرت أحكام الطلاق وهذه قد يظن البعض أنها ليست داخلة في التقوى، التقوى أن يصلّي، التقوى أن يزكّي، التقوى أن يحجّ، لكن أن يظلم زوجه، أن لا يراقب الله في أحكام زواجه وطلاقه هذه يظن البعض أنها ليست من القتوى ولطلك ذكرت في هذا المكان وحُليت بذكر التقوى كثيرًا فدائمًا تختم آيات الطلاق بذكر التقوى وربطها بشيء من أسماء الله سبحانه وتعالى (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)) وغيرها من الآيات. والعجيب أن هذه الآيات ضُمّنت استطرادين لا يتصور الإنسان وجودهما في هذا المكان ونبّه عليهم العلماء: ·         الأول في وسط آيات الطلاق قال الله سبحانه وتعالى (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (238)) ما علاقة الصلاة والمحافظة على الصوات وصلاة العصر الوسطى بالطلاق؟ قال بعض العلماء أن ذكر هذه الصلاة هنا يُشعر أن المحافظ على الصلاة هو الذي يستطيع أن يراقب الله في مسائل علاقته بزوجه في طلاقه ونكاحه وهذا صحيح بل ذكر لي بعضهم أنه كانت عنده مشاكل كبيرة جدًا مع زوجه فإذا كان في همّه وذهب ليصلّي الفرض وجد من الراحة والطمأنينة والآيات التي تنزل على قلبه ما أعانه حتى يحل مشكلته كلها دون أن يُغضِب الله. ونبّه بعض أهل العلم أن هذه الايات ذكرت في هذا المكان لهذا السبب مع أن فيها علاقة بآيات الجهاد التي قبلها لأنه قال (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا (239)) ·         ثم ذُكر مع الجهاد والطلاق أمر ثالث أخير وهو نظام الأموال في الإسلام، ذكرت الزكاة والصدقة وذُكر الربا وعندما ذكرت الصدقة وذكر الإنفاق في سبيل الله جاءنا الاستطراد الثاني هو الاستطراد الإيماني الذي ذُكرت فيه أعظم آية في القرآن، آية الكرسي. آية الكرسي لو قرأتها وحدها ربما ظنّ ظانٌ أنها من السور المكية لأنها آية ليس فيها أحكام وإنما هي آية في تعظيم الله وهي أعظم آية في القرآن كما ثبت في عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه سأل أبيّ بن كعب: أيّ آية عندك أعظم من كتاب الله؟ فقال الله ورسوله أعلم ثم سأله مرة أخرى: أيّ آية عندك أعظم في كتاب الله؟ فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله ليهنك العلم أبا المنذر، يعني هنيئًا لك بالعلم وهذا تبشير له بأنه من أهل العلم وقد كان كذلك رضي الله عنه. هذا الاستطراد الإيماني الذي ذُكر في هذا الموطن (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255)) وما بعدها من الايات قالوا إنه جاء في هذا الموطن ليرقق القلوب في سياق الحثّ على الإنفاق في سبيل الله لأن الإنسان قد أُحضرت نفسه الشحّ ولا يستطيع أن يُنفق إلا إذا تذكّر أن الله هو الله سبحانه وتعالى بما عنده من صفات العظمة والكمال والجمال والجلال فجاءت هذه الاية مرققة للقلوب في هذا القسم. خاتمة السورة   وبعد هذا القسم جاءت الخاتمة التي نختم بها نسأل الله حسن الخاتمة في الآيات التي نقرؤها في نهاية هذا الحديث فقد أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال: لما نزلت – وهذا نعود به إلى ما ذكرنا أول السورة وهو أن الصحابة قد تربوا على هذه السورة واعتنوا بها وأخذوها على محمل الجدّ - لمَّا نَزلَت علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ 2 / البقرة / آية 284 ]، قالَ: فاشتدَّ ذلِكَ علَى أصحابِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فأتَوا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ، فَقالوا: أي رسولَ اللَّهِ، كُلِّفنا منَ الأَعمالِ ما نُطيقُ، الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقةَ، وقد أُنْزِلَت عليكَ هذِهِ الآيةُ ولا نطيقُها، قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أتُريدونَ أن تَقولوا كما قالَ أَهْلُ الكتابَينِ من قبلِكُم سمِعنا وعصَينا؟ بل قولوا: سَمِعنا وأطَعْنا غُفرانَكَ ربَّنا وإليكَ المَصيرُ فلمَّا اقتَرأَها القومُ، ذلَّت بِها ألسنتُهُم، فأنزلَ اللَّهُ في إثرِها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ 2 / البقرة / آية 285 ]، فَلمَّا فعَلوا ذلِكَ نسخَها اللَّهُ تعالى، وأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قالَ: نعَم رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قالَ: نعَم رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قالَ: نعم وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( قال: نعَم ) [ 2 / البقرة / آية 286]. الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 125- خلاصة حكم المحدث: صحيح. متى يشتد عليك الأمر؟ عندما تكون جادًا، عندما يأمرك إنسان بشيء وهذا الأمر لا يهمك أو عندك خيارات متعددة لا يشتد عليك الأمر، هل قرأ الإنسان آية من القرآن لم يعمل بها فاشتدّ عليه الأمر وشعر أنه في حرج وأنه مستحي من الله سبحانه وتعالى؟! "فأتَوا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ " لما الإنسان يكون في كرب شديد ينزل على رُكَبه، " ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ، فَقالوا: أي رسولَ اللَّهِ، كُلِّفنا منَ الأَعمالِ ما نُطيقُ، الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقةَ، وقد أُنْزِلَت عليكَ هذِهِ الآيةُ ولا نطيقُها، قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أتُريدونَ أن تَقولوا كما قالَ أَهْلُ الكتابَينِ من قبلِكُم سمِعنا وعصَينا؟ بل قولوا: سَمِعنا وأطَعْنا غُفرانَكَ ربَّنا وإليكَ المَصيرُ فلمَّا اقتَرأَها القومُ، ذلَّت بِها ألسنتُهُم، فأنزلَ اللَّهُ في إثرِها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ 2 / البقرة / آية 285 ]، فَلمَّا فعَلوا ذلِكَ نسخَها اللَّهُ تعالى، وأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قالَ: نعَم رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قالَ: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قال: نعَم. [ 2 / البقرة / آية 286]." وهذه خاتمة ونعم الخاتمة ختمت بها السورة الممتلئة بأحكام الله وبأوامر الله فجاءت هذه الآيات مُخفِّفة على قلوب المؤمنين نسأل الله أن يعيننا على فهم كتابه وصلى الله وسلم على نبينا محمد.  وقفات مع سورة البقرة - الشيخ محمد نصيف

وقفة مع سورة النساء

وقفة مع سورة النساء 


مع سورة النساء ولعلنا نبدأ في حديث في صحيح مسلم[1] عن عبد الله بن مسعود: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ "اقرأْ عليَّ القرآنَ" – النبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه القرآن يخاطب عبد الله بن مسعود وهو من كبار الصحابة العارفين بالقرآن يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليّ القرآن - قال فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! أقرأُ عليك، وعليك أُنْزِلَ؟ قال "إني أشتهي أن أسمعَه من غيري" فقرأتُ النساءَ حتى إذا بلغتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء، الآية 41] رفعتُ رأسي أو غمَزَني رجلٌ إلى جنبي فرفعتُ رأسي فرأيتُ دموعَه تسيلُ". وهذا يدل على تأثره بالقرآن عليه الصلاة والسلام وتأثره بهذه السورة العظيمة سورة النساء.
هذه السورة كما هو ظاهر جدًا من السور التي نزلت بالمدينة وقد ظلت تنزل لسنوات طويلة لأن بعض آياتها تتعلق بأحداث مبكّرة وبعض آياتها تتعلق بأحداث متأخرة فهي ممتدة النزول. بعض السور تتقارب أوقات نزولها وبعض السور تنزل دفعة واحدة ووهذا غالبًا في قصار السور وبعضها يطول كثيرًا مثل هذه السورة. وفيها تأسيس للدولة المسلمة وللمجتمع المسلم وخاصة فيما يتعلق بأمور الأسرة من النساء والأيتام والأطفال وهذا جانب كان مُضيّعًا كثيرًا عند العرب وغيرهم قبل هذا الدين العظيم. هذه السورة النساء تؤسس المجتمع المسلم من هذا الجانب ومن جوانب أخرى تأتي عند ذكر
أقسام السورة.
لم يثبت لهذه السورة فضل مستقل لكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال[2]: من أخذ السبع الأول فهو حبْر". السبع الأول منها سورة النساء بالاتفاق لأن السبع الأول هي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف باتفاق ثم اختلفوا في السورة السابعة – كما سيأتي عند سورة الأنفال-. فسورة النساء من السبع الأول التي يقول عنها النبي صلى الله عليه وسلم "من أخذ السبع الأول فهو حَبْر" أي عالم متمكن، الذي أخذ السور السبع أخذها بحقها فهمها واستوعب ما فيها. جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه في مقولة جمع فيها بين نظرة له في سورة آل عمران ونظرة له في سورة النساء جاء في مسند الدارمي أنه قال: "من قرأ سورة آل عمران فهو غنيّ والنساء فهو محبرة". ابن مسعود تربّى على يد النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام "ليس اغنى عن كثرة العَرَض – أي ليس الغنى بكثرة ملكك للعقار والأرض والأموال ونحو ذلك، هذا أمور عارضة تزول في أية لحظة – ولكن الغنى غنى النفس" لكن هذا المقياس الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم غائب في كثير من الأحوال فإذا قلنا غنيّ نقصد شخص عنده مال حتى لو كان قلبه فقيرًا جدًا يذلّ نفسه لأيّ أحد لأجل أن يزيد من رصيده، ما عنده غنى النفس. إبن مسعود يقول: من قرأ سورة آل عمران فهو غني وقد مر معنا في سورة آل عمران آيات متعددة تعظّم من قدر الآخرة وتهوّن من أمر الدنيا وتبيّن حقيقة الدارين وتقول (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ (133) آل عمران). قال "والنساء محبرة" بعضهم قال من الحبور أي الرضى والسرور وبعضهم قال من التحبير ولعلها تُقرأ حينئذ محبِّرة أو محبَّرة من التحبير والتحبير هو التحسين والتزيين وعندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أبي موسى الأشعري وكان صوته كصوت ابن مسعود حسنًا جميلًا بالقرآن عندما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم أُعجب بصوته فقال له أبو موسى: لو كنت أعلم أنك تسمع لحبّرته لك تحبيرًا. فالتحبير هو التحسين والتزيين، ابن مسعود يصف سورة النساء بأنها محبرة أو محبَّرة اي فيها الحبور والرضى والسرور لمن يقرأها أو أنها مزيّنة محكمة متقنة وكل هذا موجود فيها لكن قد لا يظهر لكل أحد. ولو قرأنت السورة لوجدت عددًا من الأنظمة التي لم تستطع البشرية بعدها أن تأتي بمثلها ولا يمكنها. آيات أحكام المواريث ثلاث آيات: آيتان في أول السورة وآية في آخر السورة بُني عليها نظام متكامل لا يوجد عند أحد من البشر مثله ابدًا، بل خرج كتاب تفسير كبير في آيات المواريث من ناحية تفسيرية فقط نظر في هذه الآيات الثلاث، كتاب في ثلاثمائة صفحة لأنه إعجاز في هذه الكلمات اليسيرة يصبح الإنسان قادرًا على توزيع أموال الميت، هذا نظام متكامل.
نظام آخر متواجد في السورة هو نظام تعامل الأسرة مع الزوجة إذا نشزت ومع الزوج إذا خشيت زوجه أن يفارقها إلى غير ذلك مما جاء في الأحكام، والتعامل مع الأيتام، نظام محكم يُشعر الإنسان أنه كما قال: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا. لن تجد نظامًا للأسرة ولا نظامًا بين الزوجين ولا نظامًا للتعامل مع الأيتام ولا نظامًا في المواريث مثل هذا الذي في القرآن وقد قال أحد المستشرقين مقولة مؤلمة لكنها في نفس الوقت دالة على عظمة هذا الدين – عندما تعلّم عن الإسلام الشيء الكثير لكنه لم يُسلم – قال: يا له من دين لو كان رجال!. دين قائم عظيم (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (3) المائدة) ثم تتخبط الأمة تبحث عن شيء آخر يهديها وهيهات لا يهديها إلا هذا القرآن.

أقسام السورة:
هذه السورة يمكن تقسيمها إلى قسمين. هي ثاني أطول سورة من ناحية عدد الصفحات وليس عدد الآيات لأن آياتها أقل من آيات سورة آل عمران ولكنها أطول من سورة آل عمران وسورة الأعراف طويلة قريبة من سورة النساء. هذه السورة الطويلة نقسمها – وهذا التقسيم كما هو معلوم عند من كتبوا في علوم القرآن - ليس تقسيمًا متفقًا عليه لا يتجاوزه أحد وإنما يستطيع الإنسان أن يتأمله ويدرك شئيًا آخر لكنه تقسيم يعين الإنسان -وينبغي للإنسان وهو يقرأ القرآن أن يتدبر- يعينه على التأمل والتدبر في الآيات. 

  • فالقسم الأول :
في السورة يدور حول آية واحدة موجودة في وسط هذا القسم الأول الذي يمتد أكثر من 135 آية، آية واحدة تأتي في منتصف هذه القسم وتقسمه إلى قسمين. يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وهي آية عظيمة حقًا يقول عز من قائل (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)) لو تأملنا الآيات قبل هذه الآية تجدها كلها تقريبًا تنصبّ في قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ذُكر فيها أموال اليتامى وغيرها من الأمور التي تؤددّى فيها الأمانة إلى أهلها: الميت عندما توزّع تركته إلى غير ذلك مع ربط كل ذلك بالتقوى لأن التقوى هي الأساس والإنسان مهما وضعت القوانين لا يستطيع من يضع القانون أن يجعل رقيبًا على كل أحد وإنما تبقى تقوى الله هي التي تعصم الإنسان من الزلل. والله سبحانه وتعالى أعطى الحكم وترك للناس الخيار قال بعدما ذكر آيات المواريث (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٣﴾ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿١٤﴾) فإذن الرقابة متروكة، كل واحد يراقب الله سبحانه وتعالى ولكن الأحكام تُذكر وتُربط بالتقوى كما هو ظاهر في الآيات. الآيات قبل هذه الآية تتكلم عن تأدية الأمانات إلى أهلها.

  •  والقسم الثاني :
 بعدها بقية القسم الأول، في الجزء الآخر من الآية قال (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) ما قبل هذه الآية عن تأدية الأمانة وما بعدها عن الحكم بين الناس بالعدل وهذا يحتاج إلى وقفات مع الآيات.

النداءات في السورة :
وهذه السورة تتميز بكثرة النداء وإذا سمع المؤمن نداء من الله هذا شيء مفرح، أنت تفرح لو اتصل بك أو ناداك مسؤول أو شخص له مكانة خاصة إذا كنت تعرف أنه سيناديك ليعطيك ليرشدك، ليهديك، ليدلّك، ليكرمك، ليعينك، لينير لك الطريق، هذه هي نداءات الله. فالله سبحانه وتعالى ينادينا في هذه السورة نداءات كثيرة 
  • النداء الاول :
في قوله تعالى في أول السورة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ) وفي آخر السورة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وبينها أكثر النداءات جاءت للمؤمنين ولو تأملت في هذه النداءات قبل آية (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) لوجدتها تتعلق بالأمانة. يقول الله سبحانه وتعالى في أربع نداءات قبل هذه الآية (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) قال بعض الدعاء: هذه الآية لو طبّقتها الأمة لانتهى الغشّ وانتهى تضييع الأمانة بكل صوره مع أن الأمانة الآن تبحث عن الشخص الأمين. أحيانًا تتأخر في إصلاح شيء في بيتك أو في سيارتك لأنك تبحث عن شخص أمين، والبعض يقول بمجرد أن أغفل للحظات عن العمال الذين يبنون عمارتي يبدأوا بالغشّ في مدينة رسول الله والكل مسلمون! الأمانة! (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) كافية لتأدية الأمانة.
  •  النداء الثاني:
 يقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا (19)) وهذا أيضاً فيه تأدية للأمانة. ثم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)) وهذا فيه الأمانة أيضًا.
  • النداء الثالث :
ثم قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)) إلى آخر الآيات التي تذكر الوضوء والغسل من الجنابة وهو أمانة كما ذكر المفسرون فمن يعرف إذا توضأ الإنسان أم لم يتوضأ؟! هذه أمانة ورقابة شخصية بين الإنسان وبين ربّه، إن أدّاها أفلح وإلا خسر. فهذه الآيات كلها تدور حول الأمانة والعجيب فيها مع أنها كلها آيات أحكام إلا أن كل قسم منها كان يُختم بآيات تذكر الإنسان بالتوبة وتذكره بالرجوع إلى الله وتذكره بالجنة والنار.

  • في نهاية القسم الأول :
يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17)) هذه الآية غريبة في السياق وقبلها آيات عن الأحكام ثم جاءت هذه الآية (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)) ثم جاءت آيات في الأحكام ثم جاءت الآية (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27)) ثم ذكرت آيات أخرى في الأحكام ثم قال الله سبحانه وتعالى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا (41)) ثم جاءت آيات في الأحكام ثم قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٥٦﴾ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴿٥٧﴾) القصد أن هذه الآيات مع أنها من آيات الأحكام التي نزلت في المدينة إلا أنها ملئت بالتذكير بالتوبة وبالجنة والنار لأن الإنسان لا يمكن أن يستقيم على الأحكام إلا إذا علِم عَظَمة ذي الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.
  • (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) ما قبلها يدور حول الأمانة وما بعدها يدور حول الحكم بين الناس بالعدل. هنا يحصل خلل كبير. كيف يمكن أن يقام العدل؟ لا يمكن أن يقام العدل إلا إذا اتُّبِع شرع الله، إقامة العدل التام لا يمكن، محكمة العدل الدولية لا يمكن أن تقيم العدل في الأرض لأنها لا تحكم بشرع الله، الذي يحكم بشرع الله تامًا كما أنزله الله هو الذي يقيم العدل في الأرض.
  • وجاءت هنا الآيات يقول الله سبحانه وتعالى في أولها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) إذا اختلفتم بالحكم (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿٥٩﴾) هذا الرد إلى الله والرسول للمؤمنين أما غيرهم فليس الشأن شأنهم.
  • ثم قال بعدها (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿٦٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴿٦١﴾) إلى آخر الآيات التي تبين وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومنها قوله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿٦٥﴾) كل هذا يرجع إلى (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ).
ولما ذكر الله الطاعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ذكر أشقّ طاعة على النفوس وهي طاعة لا يمكن أن يقام العدل إلا بوجودها قال عزّ من قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴿٧١﴾ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) خذوا حذركم عند القتال (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴿٧١﴾ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) يُذكر المنافقون لأن المنافقين يكرهون الجهاد ولا يؤمنون أن الذي يُستشهد ينتقل إلى ما هو خير له من هذه الدنيا، طمعهم وآمالهم منحصرة في هذه الدنيا وفي سورة الأنفال وفي سورة التوبة خصوصًا وفي سورة محمد يُذكر المنافقون بكثرة لأن هذه السور يُذكر فيها الجهاد والجهاد شوكة أو غُصّة في حلوق المنافقين. ذُكر القتال هنا لأنه لا يمكن أن يقام العدل إذا تُرك الظالم يفعل ما يشاء ولم يقم الجهاد للدفاع عن المسلمين وقد قال الله في هذه الآيات (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾) من يقيم العدل ويعطيهم حقوقهم إلا الذي يقيم الجهاد، لذلك ذُكر الجهاد في هذا الجزء وهو جزء من الحكم بين الناس بالعدل. وقد خُتم هذا القسم كله بقوله سبحانه وتعالى في آية تدل على قضية العدل التي دار حولها الجزء الثاني من القسم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ (135)) فهذه آخر آية في القسم وهي ترجع إلى معنى العدل (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ما قبلها عن تأدية الأمانة (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) ما بعدها حكم بين الناس بالعدل إلى أن قال الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) .

  • أما القسم الثاني
من السورة وهو أصغر بكثير من القسم الأول فكأنه خاتمة وتعقيب وتذييل للقسم الأول يبدأ بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿١٣٦﴾) وهنا توقف العلماء كيف يقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا) أيها المجتهدون اجتهدوا، هم مجتهدون فلماذا يأمرهم بالاجتهاد؟ هذا دعوة للثبات على الإيمان لأنه ليس الشأن أن تؤمن ولكن الشأن أن يُختم لك بالإيمان نسأل الله الخاتمة الحسنة. فقد يعمل الإنسان بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها والعياذ بالله! فالله سبحانه وتعالى بعد أن اعطانا أحكامًا كثيرة يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا) وهذه دعوة لتجديد الإيمان لأن الإيمان يضعف ويفتر فيحتاج إلى تجديد الإيمان ورمضان فيه دعوة لتجديد الإيمان ويجد الإنسان في نفسه استبشاراً وإقبالًا على الخير في مثل هذه المواسم فجاءت دعوة من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في تجديد إيمانهم ثم ذكر المنافقين وفصّل فيهم إلى أن قال (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾) وتعرّض مع ذلك لحال أهل الكتاب ثم قال سبحانه وتعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴿١٦٣﴾) وتكلم عن إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وشهادة الله لنبيه قال (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴿١٦٦﴾) فالقسم الثاني بدأت يتثبيت الإيمان ثم ثنّى بإثبات النبوة للمصطفى من عدنان عليه الصلاة السلام ولذلك جاء في الآيات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١٧٠﴾) الله غني عنا وعن إيماننا.
  • ثم توجه الخطاب خصيصاً لأهل الكتاب فقال سبحانه وتعالى في آخر صفحتين من السورة (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ (171)) دعاهم إلى توحيده سبحانه وتعالى.
  • ثم في آخر السورة قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) بدأت السورة بنداء الناس وختمت بنداء الناس لكنها هنا كأنها خاتمة لكل شيء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴿١٧٤﴾) في هذه السورة وفي غيرها جاءنا البرهان وجاءتنا الحجة وجاءنا الشيء الظاهر الذي تقوم به الحجة على العبد يوم يلقى الله سبحانه وتعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴿١٧٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿١٧٥﴾) ثم ذكرت آية ثالثة من آيات المواريث، آيات المواريث ذكرت في القسم الأول من السورة وذُكرت هنا واللافت للانتباه أن القسم الأول بدأ بقوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ثم ذكرت آيات المواريث والقسم الأخير من السورة قال فيه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ثم ذُكرت آية أخيرة تتمم أحكام المواريث.  

حكم من السنة النبوية الصحيحة

حكم من السنة النبوية الصحيحة

1-إنما الأعمال بالنيات
والمراد بالأعمال : الأعمال الشرعية
ومعناه : لا يعتد بالأعمال بدون النية مثل الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والإعتكاف وسائر العبادات- ابن دقيق العيد

2-احفظ الله يحفظك
(( احفظِ الله )) يعني : احفظ حدودَه ، وحقوقَه ، وأوامرَه ،
ونواهيَه ، وحفظُ ذلك : هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال ، وعند نواهيه بالاجتنابِ ، وعندَ حدوده ، فلا يتجاوزُ ما أمر به ، وأذن فيه إلى ما نهى عنه ، فمن فعل ذلك ، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله -جامع العلوم والحكم لابن رجب

3- خالقِ الناس بخلق حسن
والخلق الحسن فسر بتفسيرات: منها أنه بذل النَّدَى وكف الأذى؛ يعني أن تبذل الخير للناس، وأن تكف أذاك عنهم..وقال آخرون: إنّ الخُلق الحسن أنْ يُحسِن للناس بأنواع الإحسان، ولو أساءوا إليه.-قاله صالح آل الشيخ

4-استوصوا بالنساء خيرا
استوصوا بالنساء خيرا يعني اقبلوا هذه الوصية التي أوصيكم بها وذلك أن تفعلوا خيرا مع النساء لأن النساء قاصرات في العقول وقاصرات في الدين وقاصرات في التفكير وقاصرات في جميع شئونهن فإنهن خلقن من ضلع- قاله ابن العثيمين

5-كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته
كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الخطاب للأمة جميعا يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن كل إنسان راع ومسئول عن رعيته والراعي هو الذي يقوم على الشيء ويرعى مصالحه فيهيئها له ويرعى مفاسده فيجنبه إياها كراعي الغنم - قاله ابن العثيمين

6-لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا
قال النووي :أي تأتلف قلوبكم وفيه مصلحة عظيمة من اجتماع قلوب المسلمين وتناصرهم وتعاضدهم ولهذا قال بعضهم إنه أدفع للضغينة بغير مؤنة واكتساب أخوة بأهون عطية

7- اتقوا دعوة المظلوم
أي اجتنبوا دعوة من تظلمونه وذلك مستلزم لتجنب جميع أنواع الظلم على أبلغ وجه وأوجز إشارة وأفصح عبارة لأنه إذا اتقى دعاء المظلوم فهو أبلغ من قوله تظلم وهذا نوع شريف من أنواع البديع يسمى تعليقا- قاله الشوكانى في فتح القدير

8- التأني من الله والعجلة من الشيطان
وكثيرا ما يلاحظ المرء وهو في الجماعة عددا من المصلين عن يمينه أو شماله بل ربما يلاحظ ذلك على نفسه أحيانا مسابقة الإمام بالركوع أو السجود وفي تكبيرات الانتقال عموما وحتى في السلام من الصلاة -قاله الشيخ صالح المنجد

9- لا تغضب
ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب وأن لا يسترسل فيه لأنه يندم بعده كثيراً.-قاله ابن العثيمين

10-دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
قوله دع أي اترك ما يريبك بفتح الياء أي تشك فيه ولا تطمئن إليه إلى ما لا يريبك أي إلى الشيء الذي لا ريب فيه . .-قاله ابن العثيمين

11-اتبع السيئة الحسنة تمحها
أتبع السيئة الحسنة تمحها أي إذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة فإن الحسنات يذهبن السيئات ومن الحسنات بعد السيئات أن تتوب إلى الله من السيئات فإن التوبة من أفضل الحسنات -قاله ابن العثيمين

12-المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف
مؤمن القوي: يعني في إيمانه وليس المراد القوي في بدنه، لأن قوة البدن ضرراً على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في معصية الله، فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها، إن كان الإنسان استعمل هذه القوة فيما ينفع في الدنيا والآخرة صارت محمودة، وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة .- قاله ابن العثيمين

13-الحياء شعبة من الإيمان
الحياء صفة محمودة لكن الحق لا يستحي منه فإن الله يقول { وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ } .. ولهذا جاء في الحديث إن مما أدرك الناس من النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت .-قاله ابن العثيمين

14-هلك المتنطعون
هلاك ضد البقاء يعني أنهم تلفوا وخسروا والمتنطعون هم المتشددون في أمورهم الدينية والدنيوية ولهذا جاء في الحديث لا تشددوا فيشدد الله عليكم .-قاله ابن العثيمين

15-ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا
يعني أن الإنسان إذا عفا عمن ظلمه فقد تقول له نفسه: إن هذا ذل وخضوع وخذلان فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله ما يزيد أحدا إلا عزا فيعزه الله ويرفع من شأنه.-قاله ابن العثيمين

16-الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان
الطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا وقيل غير ذلك وأما قوله [ والحمد لله تملأ الميزان ] فمعناه : أنها لعظم أجرها تملأ ميزان الحامد لله تعالى وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها- قاله ابن دقيق العيد

17- البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك
يعني : أن حسن الخلق أعظم خصال البر كمال قال [ الحج عرفة ] أما البر فهو الذي يبر فاعله ويلحقه بالأبرار وهم المطيعون لله عز و جل 
والمراد بحسن الخلق : الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة والعدل في الأحكام والبذل في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين- ابن دقيق العيد 

18-القرآن حجة لك أو عليك
فمعناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك- قاله ابن دقيق

19-لَقنوا موتاكم لا إله إلا الله
يحتمل اْن يكون أمره - عليه السلام - بذلك لأنه موضع يتعرض فيه الشيطان لافساد اعتقاد الانسان ، فيحتافي إلى مذكًر ومنبه له على التوحيد ، ويحتمل أن يريد بذلك ليكون آخرَ كلامه ذلك ، فيحصل له ما وعد به - عليه السلام - فى الحديث الآخو : (من كان آخر كلامه : لا إله إلا الله دخل الجنة)- قاله القاضي عياض

20-لا يدخل الجنة قاطع رحم
من قطع أقاربه الضعفاء وهجرهم وتكبر عليهم ولم يصلهم ببره وإحسانه وكان غنياً وهم فقراء فهو داخل في هذا الوعيد محروم عن دخول الجنة إلا أن يتوب إلى الله عز وجل ويحسن إليهم- قاله الذهبي

21-كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل .
كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل سبحان الله أعطى الله نبيه جوامع الكلم، هاتان الكلمتان يمكن أن تكونا نبراسا يسير الإنسان عليه في حياته كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل والفرق بينهما أن عابر السبيل ماش يمر بالقرية وهو ماش منها .
وأما الغريب فهو مقيم فيها حتى يرتحل عنها، يقيم فيها يومين أو ثلاثة أو عشرة أو شهرا، وكل منهما لم يتخذ القرية التي هو فيها وطنا وسكنا وقرارا –قاله ابن العثيمين

22-إنما الأعمال بالخواتيم
قال ابن رجب : فالخواتيم ميراث السوابق وقال ابن دقيق العيد : لما كانت السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة . جاء في الحديث : " إنما الأعمال بالخواتيم " .
وانقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير ، وأما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ، ولله الحمد . 

حكم من القرآن الكريم

حكم قرآنية



1- أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
قال ابن جريج: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، وَيَدَعُونَ العملَ بما يأمرون به الناس، فعيرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة. تفسر ابن كثير"

2-ولَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
يقول تعالى: وفي شَرْع القصاص لكم -وهو قتل القاتل -حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصَوْنها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنفى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز."تفسير ابن كثير"

3- واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا
هي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام . . من الركيزة الأولى . . أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، ولا على أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة! ا-ظلال القرآن"

4-وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك- السعدي

5-وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا
هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلامًا وطريقة، وحالة { مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ } بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها،والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه.- السعدي

6-وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم.. ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصلْهُ، وإن ظلمك، فاعف عنه- السعدي

7- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
يقرر تعالى الأخوة الإسلامية ويقصر المؤمنين عليها بين أفرادهم وعدم التساهل في ذلك { واتقوا الله } في ذلك فلا تتوانوا أو تتساهلوا حتى تسفك الدماء المؤمنة ويتصدع بنيان الإِيمان والإِسلام في دياره – تفسير أيسر التفاسير

8- ياَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة. –ابن كثير

9-ولَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ
أي: لا يعير أحدكم أخاه، ويلقبه بلقب ذم يكره أن يطلق عليه (3) وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة، فلا تدخل في هذا.
{ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه، وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب.- السعدي

10- يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فـ { إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } وذلك، كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي- السعدي

11- لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا
هذه آداب شرعية، أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان أمر الله المؤمنين ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا،أي: يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده. وينبغي أن يستأذن ثلاثًا، فإن أذن له، وإلا انصرف –ابن كثير

12- يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ
يعني: طرائقه ومسالكه وما يأمر به، { وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } : هذا تنفير وتحذير من ذلك، بأفصح العبارة وأوجزها وأبلغها وأحسنها.- تفسير ابن كثير

13- قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
فالعلم الحق هو المعرفة . هو إدراك الحق . هو تفتح البصيرة . هو الاتصال بالحقائق الثابتة في هذا الوجود . وليس العلم هو المعلومات المفردة المنقطعة التي تزحم الذهن ، ولا تؤدي إلى حقائق الكون الكبرى ، ولا تمتد وراء الظاهر المحسوس . - ظلال القران

14- إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب
قال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو مُتَجَلّد لا يرى منه إلا الصبر –ابن كثير

15-مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
ملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله تعالى " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " –تفسير القرطبي

16-وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
وأما التحدث بنعمة الله وبخاصة نعمة الهدى والإيمان فهو صورة من صور الشكر للمنعم . يكملها البر بعباده ، وهو المظهر العملي للشكر ، والحديث الصامت النافع الكريم –ظلال القران 

17-أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
لأن خلقه للمخلوقات، أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته-السعدي

18- خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
قال الزَّمَخْشَرِيُّ : وَالْعَفْوُ ضِدُّ الْجُهْدِ ، أَيْ خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَفْعَالِ النَّاسِ وَأَخْلَاقِهِمْ ، وَمَا أَتَى مِنْهُمْ وَتَسَهَّلَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ ، وَلَا تُدَاقَّهُمْ وَلَا تَطْلُبْ مِنْهُمُ الْجُهْدَ وَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفِرُوا كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِّرُّوا وَلَا تُعَسِّرُوا قَالَ :
خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي .-تفسير المنار

19- فاتقوا الله ما استطعتم
يأمر تعالى بتقواه، التي هي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ذلك بالاستطاعة والقدرة.- السعدي

20-وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها
التحية هي: اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين على وجه الإكرام والدعاء، وما يقترن بذلك اللفظ من البشاشة ونحوها. وأعلى أنواع التحية ما ورد به الشرع، من السلام ابتداء وردًّا. فأمر تعالى المؤمنين أنهم إذا حُيّوا بأي تحية كانت، أن يردوها بأحسن منها لفظا وبشاشة، أو مثلها في ذلك. ومفهوم ذلك النهي عن عدم الرد بالكلية أو ردها بدونها. –السعدي

21- إنما يخشى الله من عباده العلماء
أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى -كلما كانت المعرفة به أتمّ والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. - ابن كثير

22- قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
أي : الذين يعلمون أن ما وعد الله به من البعث ، والثواب ، والعقاب حق ، والذين لا يعلمون ذلك ، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله ، والذين لا يعلمون ذلك ، أو المراد : العلماء والجهال ، ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم والجهل ، ولا بين العالم والجاهل .– فتح القدير للشوكاني

23- لئن شكرتم لأزيدنكم
أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها- ابن كثير

24- فاذكروني أذكركم
معنى الآية: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن جبير. وقال أيضا: الذكر طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن- القرطبي

25- إن ربك لبالمرصاد
فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم . فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب ، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط ، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب . حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية ، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد .-في ظلال القران

26- فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى
أي: تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم، { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } ، كما قال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا } [النساء: 49].-ابن كثير

27- ولا تصغر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا
لا تُعرِضْ بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم ولكن ألِنْ جانبك، وابسط وجهك إليهم
وقوله: { وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا } أي: جذلا متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله-ابن كثير

28-وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا
أي الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه { إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا } أي: عنه.-ابن كثير


Copyright @ 2013 Islam .